قصة المعلم حسن.. شمعة تحترق لتنير عتمة الجهل بقرى المغرب المنسية

14 أغسطس 2016
بقلم:
0 تعليق

13866760_10208897878616924_2121535636_n_tO3Fq1k.image_corps_article

بعد أن تسلم حسن ورقة تعيينه معلما بإحدى المدارس الفرعية بإقليم زاكورة بعد مسار طويل من التحصيل، لم يخطر بباله قط وهو الذي ألف حياة الحواضر، أن تكون أولى خطوات رحلته لتنوير العقول الناشئة بقرى المغرب المنسية على متن سيارة “ترانزيت” مهترئة، يتقاسم كراسيها الإنسان والحيوان، أو كما يسميها هو، قطعة خردة تجري على أربع تطالها الأعطاب بين الفينة والاخرى، لتجعل من مسير كيلومترات معدودة نحو مقر العمل الجديد جحيما لا يطاق، سرعان ما يدفع أكثر الأشخاص تماسكا وصلابة لوضع رأسه بين يديه والتحسر على الورطة التي أوقع فيها نفسه.

في البدء…كانت المعاناة

بمرارة حرص على إيصالها بكثير من مرادفات المكابدة والألم والشقاء، يحكي حسن، حاليا، أستاذ التعليم الابتدائي في إحدى المدارس القروية الواقعة شمال مدينة أكادير، عن اللحظات الأولى التي أعقبت توظيفه في سلك الوظيفة العمومية قبل أزيد من ثمان سنوات. “رحلة المعاناة بدأت في اليوم الأول للسنة الأولى من التعيين”، يقول حسن، وهو يتحدث لموقع القناة الثانية عن مشاق مهنة التدريس بالعالم القروي، مؤكدا أن المعلم يصاب بالصدمة حال ما يكتشف هول ما ينتظره من صعاب.

يقول الشاب الثلاثيني: ” كان يوم اثنين استقبلتني فيه زاكورة بأجواء الشركي والحرارة المرتفعة. فور تسلمي التعيين من نيابة وزارة التربية الوطنية، تم إرشادي إلى مكان عملي؛ مؤسسة مكونة من قسمين تابعة لمجموعة مدارس تقع بأحد الدواوير التي تبعد عن مركز القرية بواحد وأربعين كيلومترا من الطرق والمسالك الغير معبدة.”

كغيره من المعلمين المقبلين على تجربة التدريس بالمناطق النائية، فأولى الصعوبات التي واجهت المعلم حسن كانت ضرورة العثور على وسيلة نقل قد تأتي أو قد لا تأتي، وإن حدث وأتت وفاته موعد مرورها، فسيكون المصير هو الانتظار إلى إشعار اخر. “وصلت القرية بداية الأسبوع لأكتشف أن وسائل النقل التي تؤمن الرحلة إلى الدوار مكان عملي لا تأتي إلا كل يوم جمعةْ؛ شعرت بالغبن لكنني استسلمت للأمر الواقع”، يروي حسن، مضيفا أنه قضى فترة الانتظار الطويلة بغرفة فندق متواضع.

واقع أكثر من صعب

وليست هذه المشكلة الوحيدة التي عانى منها المعلم حسن، فبمجرد وصوله إلى الدوار بعد رحلة مكوكية قيست فيها المسافات بالوقت وليس بالوحدة الكيلومترية، خبر فيها تضاريس مختلفة على متن وسيلة نقل تنطق فيها الشفاه بما تيسر من اللطيف والدعاء إلى حين الوصول، سيصدم هذا الشاب لمعاينة واقع اخر أشد مرارة من سابقهِ؛ فالكهرباء غير متوفرة والماء الصالح للشرب نادر الوجود، في حين أن التغطية الهاتفية منعدمة، إذ يقول حسن بهذا الشأن: “كنا نضطر للمشي قدرا ليس باليسير لنتسلق أحد الجبال المشهورة بالمنطقة لمدة ساعتين إضافيتين من أجل إجراء مكالمة هاتفية.”

وأضاف المعلم حسن أنه تفاجأ رفقة زميل له أرسلته الاقدار للتدريس بذات المنطقة للحالة المزرية التي وجدا عليها حجرات الدرس. “كانت الأوساخ قد طالت جنبات الأقسام بالإضافة إلى تواجد أحجار متناثرة في كل مكان وفضلات بشرية أزكمت برائحتها المكان المفروض منه أن يكون فضاء للتعلم وتلقين رجال ونساء الغد مهارات تسعفهم في اكتشاف عالم أكبر و أكثر تعقيدا من هذا المكان المعزول والمحاط بالجبال.”

وضع صعب لم يستسلم أمامه المعلمان الشابان حديثا الالتحاق بمهنة نبيلة تقتضي التضحيات الجسام والصبر من أجل أداء رسالة سامية، يستحضر حسن مجددا شريط الذكريات في حديثه لموقع القناة الثانية: “شمرنا على السواعد وبدأنا في إصلاح المكان، اضطررنا لاقتناء مواد التنظيف من مالنا الخاص، اشتريناها من السوق الأسبوعي الذي يلتأم كل يوم سبت في مركز القرية التي تشهد توافدا لهواة السياحة الجبلية.”

حزن وشفقة

مشهد ترك في نفس المعلم حسن أسى عميقا وهو يقف في الفصل أمام ثلاثة عشر تلميذا من أبناء الدوار، أطفال شبه عراة في ظل درجات حرارة جد متدنية، تصطك أسنانهم بفعل البرد القارس الذي تعرفه المنطقة، حول هذه الواقعة يقول حسن: ” تأثرت وأنا أرى أطفالا في عمر الزهور بأجسام نحيلة عليها خرق بالية لا طاقة لها على رد زمهرير يجمد أطراف البالغين فما بالك باليافعين”، مضيفا، “في مبادرة شخصية، قمت بالتواصل مع إحدى المؤسسات الخاصة من أجل المساعدة في توفير ملابس وأحذية لهؤلاء التلاميذ قبل نقلها على نفقتي الخاصة إلى زاكورة ثم إلى الدوار حيث يقطن الأطفال.”

قرية جديدة…معاناة قديمة

ثلاث سنوات قضاها محدثنا في زاكورة مقسمة بين فرعيتين ليأتي الانتقال الموعود، لكن هذه المرة إلى قرى شمال أكادير، تتغير الأماكن والوجوه غير أن معاناة المعلم في الوسط القروي لا تزال قائمة كما هي. يقول المعلم حسن بنبرة انتقادية: “يقومون بإرسالك إلى مناطق نائية دون توفير الحد الادنى من شروط الاشتغال الضرورية أي بمنطق ’سير دبر راسك’، فرغم القرب النسبي من المدينة هذه المرة، يضيف حسن، إلا أن الفرعية مقر العمل توجد بمنطقة صعبة، تتميز بارتفاع مستوى المياه بوديانها نتيجة هطول الأمطار وتخفيف الضغط على أحد السدود المجاورة، الشيء الذي يجعلنا معرضين دائما للخطر، ناهيك عن مخاطر الحيات والعقارب أثناء فصل الصيف.”

سؤال الجودة

وبعيدا عن التبعات الاجتماعية والنفسية للتعيين بالمناطق النائية، يطرح سؤال جودة التعليم بالوسط القروي في ظل كافة هاته الإكراهات، عن هذا الاشكال يجيب المعلم حسن بالقول، “ماذا تتوقع من معلم يدرس مستويات مختلفة داخل فصل واحد، أو ما يسمى في اللغة المتداولة بين أبناء الحرفة ب ’السمطة’، بعد أن يكون قد سار على قدميه مسافة خمسة كيلومترات على طرق غير معبدة، وضعف هذه المسافة بعشرات المرات على متن ناقلة مهترئة، كل هذا من أجل الوصول لأقسام تفتقر لمقومات الممارسة التعليمية السليمة كما هي متعارف عليها كونيا، أعتقد أن الجواب واضح..”

طارق البركة موقع 2m.ma

تعليقات الزوّار (0)