أكادير والجهةاللجنة المحلية بابتدائية تيزنيت تتدارس مستجدات “المسطرة الجنائية” في حماية النساء والأطفال ضحايا العنف

في إطار الدينامية المتسارعة التي تطبع منظومة العدالة بالمغرب، وتكريسا للدور المحوري الذي تضطلع به اللجان المحلية في تحصين الفئات الهشة، احتضنت قاعة الاجتماعات بقسم قضاء الأسرة بتيزنيت، يوم الجمعة 27 مارس 2026، الاجتماع الدوري الأول للجنة المحلية للتكفل بالنساء والأطفال برسم السنة الجارية.
وقد خصص هذا اللقاء، الذي حضره أعضاء اللجنة وممثلو المؤسسات الشريكة وفعاليات المجتمع المدني، لتدارس موضوع استراتيجي تحت عنوان: “الحماية القانونية والنفسية للنساء والأطفال ضحايا العنف في ظل مستجدات قانون المسطرة الجنائية”.
استهل الاجتماع بكلمة توجيهية للسيد وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بتيزنيت، أبرز من خلالها سياق اللقاء الرامي إلى تطوير الآليات الكفيلة بتعزيز الحماية القانونية والاجتماعية لهذه الفئات، مشددا على ضرورة التنسيق المشترك لضمان نجاعة التدخلات القضائية والإنسانية.
وفي سياق التحليل القانوني الدقيق، قدمت السيدة نائبة وكيل الملك بابتدائية تيزنيت، مداخلة رصينة حول “الضمانات الحمائية لفائدة النساء ضحايا العنف”، كشفت فيها عن “الطفرة النوعية” التي حملها قانون المسطرة الجنائية الجديد (03.23).
وقد كشفت السيدة النائبة عن طفرة نوعية حملها قانون المسطرة الجنائية الجديد (03.23)، لاسيما في تفعيل مسطرة الصلح وتوسيع نطاقها، حيث بات من الممكن إجراء الصلح في جرائم العنف المرتكبة ضد المرأة بسبب جنسها، أو ضد الحوامل، أو الأصول، وكذا في حق الأشخاص في وضعية إعاقة (وفق الفصل 404 من ق.ج)، بالإضافة إلى جرائم السب ضد النساء.
غير أن السيدة النائبة توقفت عند إشكاليات عميقة تواجه هذه المسطرة، أبرزها:
ضغوطات التنازل: أغلب الشكايات تنتهي بتنازل الضحية نتيجة ضغوط اجتماعية، مما يفرغ القانون من محتواه الردعي ويجعل العنف قابلاً للتكرار.
حتمية المتابعة في الحالات الخطيرة: أكدت أن النيابة العامة تسطر المتابعة رغم التنازل في حالات العنف الخطير، رغم صعوبات الإثبات في “الفضاءات المغلقة”.
ضبابية مفاهيم العنف الحديثة: أشارت إلى أن بعض الأشكال، كالعنف الاقتصادي، تفتقر لنص قانوني واضح يحدد مفهومها بدقة، رغم مباشرة الأبحاث بشأنها.
صعوبة تنفيذ التدابير: أشارت إلى تعذر تنزيل بعض التدابير على أرض الواقع، كمنع الاتصال أو الالتزام بعدم الاقتراب من الضحية.
وخلصت المداخلة إلى أن الحماية الحقيقية تتطلب الخروج من المقاربة الزجرية الصرفة نحو مقاربة اجتماعية تكفلية، عبر توفير مراكز إيواء متخصصة ومواكبة نفسية مجانية للضحايا.
وفي محور متصل بالعدالة الجنائية للأحداث، شهد اللقاء تقديم مداخلة للأستاذ عبد النعيم ضيكوك، ممثل هيئة المحامين بأكادير، تحت عنوان “المبادئ الخاصة بالأحداث وفق آخر التعديلات”.
وقد ركزت المداخلة على “مبدأ المصلحة الفضلى للحدث” كمرتكز حقوقي أصيل استمده المشرع المغربي من اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 (التي صادق عليها المغرب في يونيو 1993). وأكد الأستاذ ضيكوك أن هذا المبدأ ليس مجرد شعار، بل هو توجيه ملزم يفرض حماية الطفل باعتباره من الفئات الهشة التي تستوجب رعاية خاصة في جميع القرارات الصادرة عن المؤسسات القضائية والتشريعية.
وأوضح ممثل هيئة المحامين أن التطبيق السليم لهذا المبدأ يمنح قضاة الأحداث سلطة تقديرية واسعة لاستحضار خصوصية شخصية الحدث وظروفه الاجتماعية عند اتخاذ أي إجراء أو تدبير. وفي هذا الصدد، نوه المتدخل بتعزيز قانون المسطرة الجنائية لدور مكاتب المساعدة الاجتماعية؛ حيث نصت المادة 474 على إمكانية إسناد البحث الاجتماعي لجهات متخصصة أو جمعيات مؤهلة، لضمان صدور أحكام قضائية تراعي واقع الطفل وتدعم إعادة إدماجه.
وفي التفاتة قوية للدور الميداني، قدمت الأستاذة فاطمة عريف، رئيسة جمعية “صوت الطفل” بأكادير، مداخلة تحت عنوان: “المقاربة النفسية والاجتماعية للطفل ضحية العنف: أية أدوار لجمعيات المجتمع المدني؟”.
وأكدت الفاعلة الجمعوية أن دور الجمعيات يتجاوز مجرد التوجيه ليصبح “ملاذا آمنا” للضحايا، حيث تبدأ المقاربة بكسر حاجز الصمت وامتصاص الصدمة الأولى في بيئة غير ترهيبية، مشددة على أن “الأمان النفسي للطفل هو المدخل الأساسي لشهادة صادقة وإدماج مجتمعي سليم”.
ولم تخل المداخلة من وضع الإصبع على مكامن الخلل، حيث جردت الأستاذة فاطمة عريف جملة من الإكراهات الواقعية، وعلى رأسها:
ضعف التبليغ: بسبب ثقافة “التستر” التي تهدر حقوق الأطفال خاصة في المناطق القروية.
معضلة الإيواء الاستعجالي: والتي اعتبرتها العائق الأكبر، خاصة حين يكون المعنف من داخل المحيط الأسري.
الهشاشة الاقتصادية: التي تدفع بعض الأسر للتنازل عن حقوق الأطفال مقابل “صلح هش” يكرس العنف.
وبناء على هذه التشخيصات الميدانية، تقدمت رئيسة الجمعية بحزمة من المقترحات العملية، تضمنت:
إخراج “مدونة شاملة للطفل”: لتوحيد المسارات الإجرائية وضمان المصلحة الفضلى.
تفعيل الوساطة: في القضايا البسيطة لتجنب “دوامة العقاب السجني” وإصلاح الضرر.
الحلول المبتكرة للإيواء: عبر التنسيق القطاعي لتوفير مراكز إيواء استعجالية متخصصة بالجهة.
تعزيز التكوين المستمر: للعاملين الاجتماعيين في مجال الدعم النفسي والتعامل مع الصدمات.
وبعد سلسلة المداخلات الرصينة، اختتم الاجتماع بفتح نقاش مستفيض بين مختلف المتدخلين وأعضاء اللجنة المحلية، حيث شكل هذا التفاعل فرصة سانحة لتشخيص دقيق وموضوعي للتحديات الإجرائية والواقعية التي تواجه عملية التكفل بالنساء والأطفال ميدانيا.
وقد توجت أشغال هذا اللقاء الدوري بصياغة حزمة من التوصيات العملية، تصدرها:
التأكيد على تجويد الخدمات المقدمة للضحايا والارتقاء بآليات الاستقبال.
تكثيف التنسيق البيني بين كافة المتدخلين المؤسساتيين والشركاء الميدانيين لضمان نجاعة التدخل.
الضمان الفعلي للتنزيل السليم للمستجدات التشريعية، لاسيما مقتضيات القانون رقم 03.23، بما يكفل الكرامة والحماية والعدالة الناجزة للفئات الهشة.





