سوق الحبوب والمطاحن.. هذه أبرز خلاصات تقرير مجلس المنافسة

9 ديسمبر 2025
بقلم: اكادير انفو
0 تعليق

SNRTnews

كشف تقرير مجلس المنافسة حول السير التنافسي لسلسلة الحبوب وسوق المطاحن أن القطاع يقف في مرحلة دقيقة تتطلب إصلاحات بنيوية عميقة، بسبب هشاشة الإنتاج الوطني، وارتفاع تبعية المطاحن للواردات، إضافة إلى اختلالات تنظيمية وهيكلية تجعل السلسلة شديدة التأثر بالتقلبات المناخية والأسعار العالمية.

ويؤكد التقرير أن سلسلة الحبوب تشكل إحدى أكثر السلاسل الإستراتيجية، بحكم ارتباطها المباشر بالأمن الغذائي، وباعتبار القمح اللين المادة الأساسية في الاستهلاك اليومي للأسر.

وأظهر التقرير أن إنتاج القمح اللين، الأكثر استهلاكا، يعاني من هشاشة بسبب التغيرات المناخية وتواتر سنوات الجفاف، بالرغم من انه سجل الإنتاج تحسنا نسبيا في المردودية بلغ 42% ما بين 2003 و2019، حيث يظل هذا التطور غير كافي لرفع الإنتاجية الوطنية إلى المستويات الدولية، ويعكس استمرار إكراهات مثل ضعف استعمال البذور المختارة، ونقص الأسمدة، ومحدودية المكننة، وتشتت الضيعات الفلاحية التي تعيق تطبيق ممارسات فلاحية حديثة.

ويشير المجلس كذلك إلى ضعف الاستثمار في البحث العلمي الفلاحي، خاصة في ما يتعلق بتطوير أصناف جديدة مقاومة للجفاف، إضافة إلى بطء وتيرة اعتماد تقنيات السقي والتنقيط، وهو ما يجعل الإنتاج الوطني غير قادر على مواجهة تقلبات الطلب والأسعار بشكل متوازن.

كما رصد مجلس المنافسة انتشارا ملحوظا للاندماج العمودي لدى عدد من الشركات الكبرى، التي تجمع بين الاستيراد والتخزين والتحويل والتوزيع، ما يمنحها أفضلية تنافسية مقارنة بفاعلين صغار غير قادرين على مجاراة نفس مستويات التحكم في سلسلة القيمة.

يشير التقرير إلى أن سلسلة الحبوب تعتمد على نموذج هجين، يجمع بين تدخل الدولة عبر دعم الأسعار وتنظيم الواردات، وبين انفتاح جزئي للسوق على المنافسة، موردا أن نظام الدعم ساهم في استقرار السوق وضمان تموين المطاحن، إلا أنه أظهر محدودية واضحة في مواجهة تقلبات الإنتاج المحلي، خاصة في سنوات المحصول الضعيف.

كما تؤثر مجموعة من الاختلالات في قدرة المطاحن على المنافسة فعلى مستوى المرحلة الأولى في سلسلة انتاج الحبوب، لا تزال المطاحن تواجه إكراهات في توفير المواد الأولية محليا التي تستوفي المعايير المطلوبة من حيث الجودة، لذا يضطر الفاعلين إلى اللجوء إلى الأسواق الدولية، مما يعزز اعتمادهم على الواردات ويعرضهم لتقلبات الأسعار العالمية.

وأفاد التقرير انه ما يعاني الفلاحون من محدودية الوصول إلى البذور المختارة التي تعتبر الضمانة الوحيدة للحصول على محاصيل وفيرة وذات جودة عالية. وتزداد هذه الحالة سوءا بسبب ضعف انتشار التقنيات الفلاحية الحديثة، ولا يزال البحث والتطوير في مجال الفلاحة يحظى بدعم غير كاف، مما يعيق تكييف الأصناف المزروعة مع الخصائص التربة والمناخية للبلد.

كما وصف التقرير الحوافز الحالية لإنتاج حبوب عالية الجودة ضعيفة للغاية ولا تكفي لإحداث تغيير جذري. فالسعر المرجعي، الذي لم يتغير منذ عدة سنوات، لا يأخذ في الاعتبار الجهود الإضافية اللازمة للوصول إلى مستويات أعلى. وفي ظل هذه الظروف، يميل المنتجون بطبيعة الحال إلى تفضيل الكمية على الجودة، مما يقلل من فرص المطاحن في الحصول على القمح المحلي الذي يلبي احتياجاتها.

سياسة السعر المرجعي

يرى مجلس المنافسة أن سياسة السعر المرجعي، المعمول بها منذ سنوات، لم تعد قادرة على تحقيق أهدافها، فهي تضمن للفلاحين حدا أدنى من الدخل، لكنها في المقابل لا تشجع الجودة، إذ تستند إلى معايير لا تعكس القيمة الحقيقية للإنتاج الجيد، ما يدفع الفلاحين إلى التركيز على الكمية، في ظل غياب حوافز لرفع جودة الحبوب، ومع وجود اختلال في ميزان القوة التفاوضية بينهم وبين مراكز التجميع والمطاحن.

كما توقف التقرير عند إشكالية تدبير المخزون الاحتياطي التي تبقى غير منظمة بشكل فعلي، رغم إسنادها قانونيا للمكتب الوطني للحبوب والقطاني، حيث أشار المجلس إلى غياب نص تنظيمي يحدد بدقة كيفية تكوين هذا المخزون، وتوزيعه، وتمويله، وهو ما يجعل هذه الحلقة الاستراتيجية رهينة لظروف السوق، ويزيد من مخاطر انقطاع الإمدادات في فترات الندرة وارتفاع الأسعار.

وأظهر تحليل المجلس وجود تباينات جهوية في تمركز المطاحن وتوزيع الحصص السوقية، فبينما تهيمن مطاحن معينة على جهات كبرى، تعرف جهات أخرى منافسة أشد. ويعتبر المجلس أن هذه الاختلافات تستلزم إعادة النظر في توزيع النشاط الإنتاجي لضمان عدالة في الولوج إلى المواد الأولية والأسواق وتوازن الجهات.

أشار التقرير إلى أن كلفة الإنتاج بالمطاحن ترتبط أساسا بسعر القمح في الأسواق العالمية، نظرا لاعتماد المغرب الكبير على الاستيراد لتغطية حاجياته، وقد أدى ارتفاع أسعار الحبوب عالميا إلى زيادات ملموسة في أسعار السميد والفينو، بينما ظل دقيق القمح اللين مستقرا نسبيا بفضل استمرار سياسة الدعم واتفاقيات ضبط الأسعار.

وكشف التقرير أنه تطبع سوق المطاحن بنية مفككة، لاسيما سلسلة القمح اللين التي تتوفر فيها المطاحن على حصص ضئيلة، وتحد هذه البنية من قدرة الشركات الصغرى على فرض وجودها في السوق، وإن كانت تشجع على تنويع الجهات الفاعلة بالنسبة لبعض الحبوب مثل الشعير.

تحكم سوق المطاحن طاقة إنتاجية مفرطة بنيوية مقرونة بفوارق جهوية، حيث تتجاوز طاقة السحق بكثير الطلب الفعلي على المنتجات المحولة. وتعزى أسباب هذا الخلل في التوازن أساسا إلى سياسات الدعم، خاصة برنامج الدقيق الوطني للقمح اللين الذي كرس الانفتاح المفرط للمطاحن بهدف الاستفادة من مساعدات الدولة.

المجلس يدعو إلى مراجعة شاملة للسياسة الوطنية للحبوب

خلص مجلس المنافسة إلى ضرورة إدخال إصلاحات هيكلية عميقة لضمان استدامة السلسلة وتحسين قدرتها على مقاومة الصدمات، وتشمل التوصيات الأساسية: تنويع الأصناف المزروعة واعتماد حبوب مقاومة للجفاف، وتسريع تطوير البذور المختارة وتعزيز البحث العلمي الفلاحي، ومراجعة سياسة الدعم وربطها بالجودة وفعالية الإنتاج لا بالكميات فقط، ووضع إطار تنظيمي واضح للمخزون الاحتياطي يحدد طرق تكوينه وتمويله وتدبيره، وتحسين شروط المنافسة داخل سوق المطاحن وضمان تكافؤ الفرص، وتقليص التبعية للواردات عبر رفع الإنتاجية الوطنية وتحسين مردودية الفلاحين.

ويرى المجلس أن هذه الإصلاحات ضرورية لضمان أمن غذائي مستدام، وتحقيق توازن أفضل بين الإنتاج الوطني والواردات، وتعزيز قدرة السوق على مواجهة التقلبات المناخية والاقتصادية.

تعليقات الزوّار (0)