محلل نفسي : ها كفاش كتخرج الأخبار “الفيسبوكية” على الصحة والنفسية د المغاربة

كثيراً ما نسمع ونقرأ ونرى كميات هائلة يومية من الأخبار المحزنة والمؤلمة بدون أن ندرك أن لها عواقب وخيمة على توازننا الصحي والنفسي والعائلي والاجتماعي؛ لأننا لا نشعر عند الاطلاع عليها بأن لها تأثيراً سلبياً علينا، إذ تعودنا أن نتعامل معها على أنها مجرد أخبار وفي جل الأحيان تهم الآخرين وننسى أنها سبب رئيسي في اضطرابات جودة النوم مثلا، وخصوصا عند الطفل والمراهق، إذ بإمكانها أن تؤثر على دراسته وتسبب له اضطرابات في مستوى تركيزه داخل القسم، وهذا ما سأحاول تحليله في هذا المقال.

1- تأثير الأخبار الصحيحة المكتوبة والمسموعة

إننا نعيش في زمن مقلق جدا في كل أرجاء العالم، وفي محيط من الإرهاب، الحروب، الظلم، المجاعة، انتشار الأمراض المُعدية، كثرة الإصابة بالسرطان، تلوث البيئة؛ إلى جانب أخطار ما نستهلكه من أغذية ومشروبات مسمَّمة بالمواد الكيماوية، وما يصيبنا من تأثيرات الأزمات الاقتصادية، وما نراه ونسمعه من كثرة حوادث الطرق في البر والبحر والجو..

ثروة الأغنياء تتضخم والفقراء يزدادون فقراً بالملايين، ويزداد معهم أموات البحر “الحراﯖة”..الهجرة السرية بالآلاف المؤلفة، ازدياد نسبة الانتحار، وحتى داخل الحرم المكي، تفكك العائلات، النزاعات الدولية السياسية والاقتصادية، تصاعد معدلات البطالة ونسب جرائم القتل والاغتصاب واختطاف المراهقات والأطفال من مجرمين منهم رجال دين، وحتى بعض آباء الأطفال الضحايا..صرنا نعيش في عالم انعدمت فيه الثقة في كل شيء حتى في الديانات…لا شيء على ما يرام ولا نطَّلع إلا على هذه الأخبار الحزينة والمؤلمة يوميا ومن طرف الصحافة الرسمية والمواقع الاجتماعية.

فما هو تأثير هذه الأخبار على الإنسان والمجتمع؟.

بيولوجيا يضطرب نظام الدماغ وترتفع النسبة الدموية للكورتيزول Cortisol والأدرينالين، ما يتسبب في اختلال نظام عمل كل الغدد، مع عواقبها الوخيمة على صحة الإنسان، وخصوصا عند الطفل والمراهق، بحكم أنهما لازالا في طور النمو والنضج:

* القلق المزمن.

* فقدان الإحساس بالثقة والأمان.

* فقدان الثقة في الإنسان وفي الأستاذ وفي رجال الدين وفي المجتمع والحكومات.

* خيبة الأمل في تحقيق مستقبل آمنٍ كله سلم وسلام.

* فقدان الشعور بالطمأنينة.

* الاكتئاب الفردي والجماعي والمجتمعي.

* طغيان النزعة الأنانية الحيوانية.

* الانغماس في كل أنواع الاستهلاك المادي والجنسي على أمل وهم الوصول إلى أعلى درجات الشعور بالرضى.

* اللجوء لإلى كل أنواع العنف والاستفزاز والاستغلال من أجل تلبية الغرائز الحيوانية.

* ركود النوازع والفضائل الإنسانية.

* الإحباط التام عند الفرد وداخل العائلة والمجتمع.

* كثرة النزاعات الفردية والمشاجرات العائلية والانقسامات المجتمعية وتفكك كل الروابط الإنسانية.

2- الأخبار الزائفة على المواقع الاجتماعية

بطبيعة الحال بما أن الإنسان يعيش في قلق مزمن ويرى المستقبل كله سوادا وهو فاقد الأمل في كل شيء، فإنه على هذه الحالة يشتغل فكره تلقائيا على الإبداع في التدمير وصنع الرعب في قلب المجتمع. وهكذا تُصنع أخبار مخيفة ومرعبة وتنشر وتُروج على المواقع الاجتماعية ويقرؤها القارئ بدون التأكد من صحتها، لأنه يعيش مسبقا قلقا مزمنا واكتئابا اجتماعيا. فماذا ستزيد شجرة من لهيب النار والغابة أصلاً كلها تحترق؟..لا شيء لأن الحزن وخيبة الأمر تجري مسبقا في عروقه وتستنزف فِكره.

لهذا نرى المجتمع يستمر في حياته وحركاته وكأنه ليس على علم بهذه الأخبار ولم تعُد تقلقه أكثر مما يقلقه واقعه اليومي، لأننا أصبحنا نستهلك وجبات الرعب الواقعي والمستقبلي. وكما يقول المثل المغربي: “نْهارْ العْرْسْ زيدْ ولا نْقّصْ بْصْلَة، فيكْ فيكْ”.

3- تأثير الأخبار المرئية عبر المواقع الصحافية و”الفيسبوكية”

للصورة الإخبارية أو “الفيديو” الإخباري أخطار كثيرة وكبيرة، لأن الصورة تُعتبر حقيقة مطلقة لدى جل من يشاهدها، ولها تأثير عال على صحتنا النفسية، وتبقى مسجلة في ذاكرتنا إلى الأبد بخلاف ما نقرأ أو نسمع من أخبار.

الصورة تؤثر تلقائيا على عواطفنا وشعورنا وبإمكانها أن تتسبب في صدمات نفسية خطيرة (غالبا القلق واضطرابات النوم)، وخصوصا عند الطفل والمراهق.

4- خصوصيات الطفل والمراهق أمام هذه الأخبار

الدماغ في هذه الفترة العمرية لازال في مرحلة النمو الذي يستمر لدى البالغين إلى حدود سن الخامسة والعشرين. وبطبيعة الحال، سواءً كانت هذه الأخبار صحيحة كانت أم مزيفة، وخصوصا الصور الإخبارية و”الفيسبوكية”، تُنقش في الذاكرة إلى الأبد، خاصة لدى الأطفال والشباب اليافعين، وعواقبها خطيرة على توازن النظام البيولوجي لأدمغتهم وغددهم، وحتى على نموهم وثقتهم في عوائلهم ومدارسهم ومجتمعاتهم.

وكل هذه المخاطر تُشوِّش على تركيز التلميذ، وتجعله في حالة قلق مفرط في بعض الأحيان، بدون أن نفهم الأسباب. وهذا القلق المزمن يزيد في إدمان الطفل على “فيسبوك”، (كثرة الصور والفيديوهات)، آملا بطريقة غير شعورية أن يجد أخبارا ترفع معنوياته وتُسكن فيه الطمأنينة. ولا ننسى أن الطفل أو المراهق لا يملكان القدرات الذهنية الكافية للتمييز بين الصادق والزائف والصحيح والخاطئ من أخبار، وبالتالي يقع الخلط عند هذه الفئات العمرية بين الواقع والخيال، ولذلك يتأثرون بـسهولة بـ كل ما يُرى ويُسمع ويُقرأ .

*خبير في التحليل النفسي للمجتمع المغربي والعربي

عن أكادير أنفو

أكادير أنفو

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*