قراءة في الأحداث وبعيدا عن التعصب قريبا من التعقل : من ضغط على زر شاحنة الأزبال التي أنهت حياة تاجر الأسماك بالحسيمة.. وهل ”طحن مو” حقيقة أم مجرد ادعاء لإشعال فتنة هي أشد من القتل+صور

575c54f872fb7d38d8750132631ee1996832

ظلت مدينة الحسيمة، منذ ليلة الجمعة-السبت الماضي، محط اهتمام واسع للرأي العام الوطني.. إذ لا حديث إلا عن تاجر الأسماك الذي سحقته شاحنة للأزبال بهذه المدينة، كنهاية لسيناريو، ابتدأ مع منع السلطات شحنته (نصف طن من أسماك أبو سيف) من التسويق، باعتبار هذا النوع من الأسماك محظور صيده خلال هذه المرحلة التي تحكمها قوانين “الراحة البيولوجية”..

لوهلة، غطى هذا الحدث المأساوي، عن بعض الأحداث السياسية المهمة التي عرفتها البلاد أمس السبت، كالمؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار، واجتماع المجلس الوطني لحزب الحركة الشعبية، باعتبار الحدثين قنطرتين أساسيتين، قرر رئيس الحكومة المعين عبد الإله بنكيران عبروهما، لوضع اللمسات الأولى لتشكيل الحكومة.. هكذا، غطت حادثة وفاة بائع الأسماك بالحسيمة، على عدد من الأحداث، وحركت نقاشا داخليا، كبر بسرعة ككرة الثلج.

هنا ينبغي العودة إلى جوهر المشكل.. إلى أصل القضية، إلى الشرارة الأولى التي أدت إلى هذه المأساة التي راح ضحيتها مواطن، حاول منع شحنة أسماكه من الإتلاف.. وبالتالي، لا بد من الاعتراف أن أصل المشكل كان خاطئا من بدايته.. كيف ذلك؟

لنفترض أن تاجر الأسماك، كان يحوز كمية مهمة من السمك المحظور صيده في فترة “الراحة البيولوجية”، وهذا صحيح.. فهل كان اختيار طريقة الإتلاف صحيحة أيضا؟ إن المنطق السليم، يقول إن في مثل هذه الحالات، يجب على المسؤولين، أن يضبطوا صاحب الشحنة، ويحرروا محضر معاينة.. وبناء عليه يتقرر آنذاك هل سيتم إتلاف كمية الأسماك المُصادرة أم لا.

ولنذهب بعيدا في هذا النقاش، والجزم بأن عملية الإتلاف كانت قرارا صائبا.. فهل كان صائبا إتلافها في الشارع العام؟ وبالتالي، يمكن أن نتساءل لماذا لم يتم إتلافها في مكان خاص بناء عن محضر مضبوط بقوانين؟ والأكثر من ذلك، لماذا لجأ المسؤولين إلى عملية الإتلاف كحل وحيد، في حين كان ممكنا أن يتم استدعاء مصلحة مختصة في السلامة الغذائية، لتقرر هل هذه الكمية من الأسماك المُصادرة صالحة للاستهلاك أم لا. وبالتالي إذا كانت فاسدة، يتم إتلافها حرقا، وليس طحنا بواسطة شاحنة تم استقدامها لهذا الغرض وفي الفضاء المخصص لذلك ،أما إذا كانت صالحة للاستهلاك، لماذا تم إتلافها بدل أن توجه إلى مؤسسات خيرية، تُعنى بشؤون الأيتام والأطفال المتخلى عنهم أو دور المسنين.. آنذاك، كان ممكنا أن يقتنع الهالك، قيد حياته، أنه يسلك مساطر قانونية تحكم الجميع، وأنه بدوره، سيفضل، في حالة اقتناعه أنه خرق القانون، أن أفضل وجهة يمكن أن يسلكها السمك المُصادر هي المؤسسات الخيرية وليس الطحن.. بصراحة، كان تدبير هذه القضية من أساسه خاطئا، وكان ممكنا لو تم الاحتكام إلى منطق العقل والقانون، أن لا تسلك الأحداث هذا المنعطف الذي بلغ مستوى آخر من التعصب والتشنج.

لقد حركت هذه القضية نقاشا واسعا في مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن يدب النقاش بسرعة إلى الفضاءات العامة، من مقاهي وبيوت.. وتناسلت أحداث القضية بشكل سريع جدا، دون أن تقف عند حدود التماس بين الحقيقة والإشاعة.. إذ هناك من قال إن تاجر الأسماك رمى بنفسه في شاحنة الأزبال لمنع أسماكه من الطحن، فكان أن تحركت آلة ضغط النفايات، لتودي بحياته.. وهناك من أضاف على هذا السيناريو شيئا من التفاصيل، جازما بأن أمرا صدر من شرطي بطحن تاجر الأسماك من خلال عبارة (طحن مو).. لكن بين تفاصيل هذا السيناريو يغيب عنصر أساسي هو الحقيقة.

وبعيدا عن التعصب، والانسياق خلف المواقف المتسرعة، لابد من الوقوف عند نقطة مهمة للغاية، هي أن الحق في الحياة يبقى أسمى من كل شيء.. وعلى هذا الأساس نؤمن كثيرا كمغاربة بمقولة “الروح عزيزة عند الله”.

من هذا المنطلق، سارع وزير الداخلية والوكيل العام للملك وعناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، للبحث وتحديد ظروف وملابسات هذه القضية، انتصارا لمبدأ الحق في الحياة. وبالتالي، كان بلاغ المديرية العامة للأمن الوطني التي باشرت تحقيقها، واضحا.. حيث فند عدد من الفرضيات التي تم تداولها بمواقع التواصل الاجتماعي، حيث أوضح البلاغ “أن المزاعم التي تنسب لموظف شرطة إعطاء الأمر لسائق الشاحنة بتشغيل “آلية الضغط على النفايات” المتصلة بالمقطورة، تبقى بدورها مجرد ادعاءات غير صحيحة، على اعتبار أن زر التحكم في هذه الآلة الضاغطة يوجد في آخر الشاحنة من جهة اليمين، وأنه يستحيل على السائق التحكم فيها، وهي المهمة التي يضطلع بها عادة مستخدمون آخرون، وليس السائق”.. هنا يمكن أن نتساءل، “إذا لم يعط الشرطي أمرا بتشغيل آلة الطحن، وهذا ما فنده البلاغ الأمني، فمن يكون قد حركها لتودي بحياة تاجر الأسماك؟”.

الآن، نحن أمام حالة وفاة تحتاج إلى مزيد من التحقيق.. فأمام تفنيد المديرية العامة الأمن الوطني جل الفرضيات التي حاولت إقحام عناصر الشرطة في القضية، يبقى السؤال مطروحا حول من شغَّل “آلية الضغط على النفايات”، وبالعربية تاعرابت “شكون ضغط على البطونة للي كاينة في جهة اليمين ديال الشاحنة”، مادام أن سائقها يستحيل أن يتحكم في هذه العملية (أنظر الصورة).. ؟


إن مبدأ الحق في الحياة يبقى فوق أي اعتبار، وهو أسمى من المرور عليه مرور الكرام.. لذلك، بعيدا عن إي استغلال ضيق لهذه القضية، يجب معرفة و معاقبة المسؤول عن تحريك آلية الضغط، مهما كانت صفته ومكانته في المجتمع، ما دمنا نعيش في بلد رفع شعارا كبيرا هو “دولة الحق والقانون”. إذ ما معنى أن يموت إنسان (مهما كانت دوافعه)، بفعل فاعل، دون أن يتم محاسبة الجاني؟ إن القوانين التي يفتخر بها الوطن، جاءت أساسا لتحصين عدد من الحقوق للمواطنين، وعلى رأسها الحق في الحياة. وبالتالي، لا ينبغي أن يفلت “مول الفعلة” من الحساب والعقاب.

من جهة أخرى، إذا كان الحق في الحياة أسمى من كل شيء، فلا ينبغي أن ننسى أن الوطن يظل فوق أي اعتبار، وأنه الضامن للحقوق في البلد. لذلك، لا ينبغي المجازفة به، وتهديد استقراره، وإدخاله في حالة من الفتنة بجرة قلم، أو من خلال تدوينة أو “هاشتاغ” ملغوم، أو تصريح مبني للمجهول.. إذ نعلم جيدا أنه عند كل فورة غضب، يتم إطلاق الكلام على عواهنه، دون الأخذ بعين الاعتبار تأثير الكلمة في الظروف الحرجة.. لكن في نفس الوقت، لا يقبل هذا الوطن أن يذهب دم مواطن يعيش فيه سدى دون حساب.

هنا لابد من الوقوف عند كلمة (طحن مو) التي خلقت نقاشا واسعا في المجتمع، قبل أن تؤجج القضية في الفضاءات الافتراضية والشارع أيضا.. فمن خلال عدد من الفيديوهات التي شاهدناها، لم يتضح بتاتا من أعطى الأمر بـ”الطحن”، لكن في نفس الوقت لا يمكن تغييب هذه الفرضية، حتى وإن لم ترد كلمة “طحن مو” في شهادات عدد ممن عاينوا المشهد الدراماتيكي.. لتبقى هذه الكلمة حبيسة مواقع التواصل الاجتماعي فقط..

هنا، يمكن أن نتساءل حول من أطلق هذه الكلمة أول مرة.. وهل “طحن مو” انطلت فعلا على لسان الجهة الآمرة بالطحن؟ أم أنها مجرد ادعاء عاري من الصحة، كان هدف صاحبها إشعال الفتيل الأول للفتنة في مدينة هادئة إسمها الحسيمة؟

إن كلمة “طحن مو” هي المفتاح للقضية برمتها، وعلى أساسها يمكن أن يُحاسب المسؤول الحقيقي عن وفاة مواطن دفعته الغيرة على سلعته إلى الارتماء في شاحنة الأزبال.. وبالتالي “خاص للي طلق هاذ الكلمة في الأول يخرج ويقول لينا شكون للي قال طحن مو”، وأن يثبت ذلك بالدليل القاطع الذي يقطع الشك باليقين.. هذا هو الفعل السليم الذي ينبثق من الوطنية الصادقة.. إذاك، سيأخذ القانون مجراه، ويعاقَب “مول الفعلة”، سواء كان رجلا عاديا أو ذي سلطة، مهما كانت درجتها.. لكن، بالمقابل، إذا ثبت أن من أطلق هذه الكلمة أول مرة، مجرد مفتري، فينبغي أن يحاسب وبشدة ، لأنه زرع أول بدرة للفتنة، وهي في العرف الإسلامي أشد من القتل.

إذن، من ضغط على الزر الذي تسبب في تحريك آلية ضغط النفايات التي تسببت في مقتل تاجر الأسماك؟ وهل يمتلك من أطلق أول مرة كلمة “طحن مو” الجرأة على الكشف عن الشخص الذي صدرت عنه، بدليل قاطع لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..؟.. فرجاء احتكموا للعقل، فهو الذي يقود في نهاية المطاف إلى الانتصار للحقيقة، من خلال نقاش هادئ ورزين ومسؤول..

لكن إلى غاية انكشاف الحقيقة الكاملة، نقول بكل خشوع “صبر جميل لأسرة الهالك، ورحم الله الفقيد”…ورحمة بالوطن..

ش.ت

عن الحسين شارا

الحسين شارا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*