فريق بحثي من كلية الآداب بجامعة ابن زهر أكادير يكتشف وثائق وخرائط نادرة حول تاريخ الصحراء

أعلن فريق من الأساتذة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة ابن زهر بأكادير، ينتمون إلى مختبر البحث “تاريخ الجنوب المغربي وأفريقيا”، عن اكتشاف وثائق نادرة تخص الجنوب المغربي بشكل أعم، ثم الصحراء المغربية بشكل أخص في الفترة الاستعمارية، وذلك عقب قيامهم بسفرية علمية بحر الأسبوع الماضي إلى دكار، عاصمة السنغال.

وفي هذا السياق قال الدكتور عبد الله استيتو، أستاذ التاريخ في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة ابن زهر، إنه “عند مباشرة الفريق لعمله في هذه الملحقة كانت دهشته كبيرة؛ نظرا إلى أهمية وندرة الوثائق التي عثر عليها في هذا الأرشيف، خاصة ما له صلة بالخرائط الدقيقة لكل مجالات الجنوب المغربي بجهاته الأربع: جهة سوس -ماسة، جهة كلميم -واد نون، جهة العيون -وادي الذهب، وجهة الداخلة -الساقية الحمراء، خلال الفترة الاستعمارية”.

وأضاف استيتو، في بيان توصلت بخ جريدة هسبريس الإلكترونية، أن “هذه الخرائط منها ما هو عام يشمل الجنوب المغربي برمته، ومنها ما هو خاص يشمل كل منطقة على حدة، ومنها ما هو متعلق بالتفريعات القبلية، ومنها ما له صلة بقضايا الانتجاع والاستقرار في الصحراء، ومنها ما له ارتباط بالقضايا العسكرية والأمنية ومسائل الحدود بين مناطق النفوذ الاستعمارين الفرنسي والإسباني لمجالات الجنوب المغربي”.

أما الوثائق الخاصة بالصور والجوانب التقنية، حسب الأستاذ الجامعي، “فارتبطت بعنصرين أساسين، هما الإنسان والمجال، من خلال بيانات همت تعداد سكان القبائل في مجال من المجالات، ووصف أحوالها المعاشية وأماكن انتقالها أو استقرارها، وما إلى ذلك من المعلومات ذات الطابع التقني المحض”.

وشدد الباحث عينه على كون الفريق “ارتأى أن تكون زيارته عبارة عن مسح علمي شامل للأماكن التي يمكن أن تفيد البحث التاريخي في كل ما له صلة بالجنوب المغربي؛ لذلك بدأ زيارته بالمقر القديم للأرشيف الوطني لدكار، الذي يوجد بالقرب من القصر الرئاسي، غير بعيد عن شارع الجمهورية”، وزاد: “هذا المقر تحول حاليا إلى ملحقة للأرشيف سالف الذكر، وأصبحت مضامينه مقتصرة على محتويات محددة، وخاصة ما له صلة بالجوانب الإكنوغرافية والقضايا التقنية التي لها علاقة بالخرائط بمختلف أنواعها، ثم الصور بشتى أصنافها، والبيانات الرقمية على شكل جداول وقضايا مكممة”.

“بعد مسح وجرد وتصوير مجمل المعطيات التي لها صلة بالجنوب المغربي، الموجودة بتلك الملحقة، انتقل الفريق في اليوم الموالي إلى المقر الجديد للأرشيف الوطني لدكار، الموجود بمركز المنتزه (Center Park)، في شارع ماكي ساي، على مقربة من المسجد الكبير (الذي بناه الملك المغربي محمد الخامس في دكار)؛ حيث باشر عمله لساعات طويلة في هذا المقر الذي تقدر محتوياته الوثائقية بمئات الآلاف، والتي تم تنظيمها على شكل حزمات في ملفات تحمل عناوين خاصة تدل على مضامينها؛ ما سهل على الفريق تحديد الملفات التي لها صلة بالجنوب المغربي بكل امتداداته الإفريقية، وخاصة الوثائق التي لها علاقة بالصحراء المغربية وموريتانيا”، يورد المتحدث ذاته.

ويشدد الدكتور استيتو على أنه “تم العثور على وثائق نادرة وهامة جدا حول مختلف الجوانب التي تهم الصحراء المغربية في شتى المجالات اجتماعيا واقتصاديا وأمنيا وسياسيا وعسكريا وروحيا وغير ذلك، ناهيك عن المراسلات والملفات السرية التي كانت الأجهزة الإدارية والاستعلاماتية والمصالح الأمنية والعسكرية الفرنسية والإسبانية تتبادلها في ما بينها، بخصوص مجمل القضايا المشتركة بينهما في الصحراء المغربية وموريتانيا منذ نهاية القرن 19 إلى غاية إجلاء المحتلين عن البلاد المغربية بعد تحقيق المغرب لاستقلاله عام 1956”.

ويعتبر الباحث الجامعي أن الفريق عثر أيضا على “وثائق ذات طابع عام، همت السياسة الاستعمارية في غرب أفريقيا، في عدد من الدول التي كانت مستعمرة من قبل فرنسا وإسبانيا وبريطانيا وألمانيا وبلجيكا وباقي الدول الأوربية؛ مثل مالي والسنغال وموريتانيا وغامبيا وغينيا وغانا وبوركينا فاسو وبنين وساحل العاج وسيراليون وتوغو”، مضيفا: “كل هذا المضامين جعلت فريق البحث يحرص أشد الحرص على تصويرها كاملة، قصد الاستفادة منها في الكتابة التاريخية العلمية المعتمدة على معطيات غاية في الدقة، بخصوص مختلف الإشكالات البحثية حول الجنوب المغربي، بما فيه سوس والصحراء”.

ويستطرد المتحدث: “أهم ملاحظة لفتت انتباه هذا الفريق هي الجانب الكمي لهذه الوثائق التي لها صلة بالصحراء المغربية، إذ تعد بالآلاف، ثم الجانب النوعي لهذه المستندات؛ إذ تتميز بدقة عالية في ما يهم تحديد أسماء الأماكن والقبائل والأشخاص، والتنبيه إلى أهم الوقائع والأحداث المحلية التي كانت تعيشها قبائل الصحراء في ظل الاستعمارين الفرنسي والإسباني، وتوثيقها من حيث تاريخ حدوثها باليوم والشهر والسنة. زد على ذلك أن بعض الملفات شملت مونوغرافيات دقيقة حول بعض التجمعات القبلية على مستوى عدد أفرادها وطبيعة أنشطتها، ومجالات تحركاتها واستقرارها، وأهم رموزها وزعاماتها القيادية وارتباطاتها الروحية، وممتلكاتها الحيوانية (عدد الجمال، عدد الماعز والظأن، وغير ذلك)، وكيف كانت علاقتها بالسلطات الاستعمارية خضوعا أو رفضا ومقاومة”.

ويردف الباحث الجامعي بأنه “استكمالا للتصور العام عن الوثائق التي بإمكانها أن تفيد الفريق العلمي في أجرأة مشروعه، حول الهجرة والحركية المجتمعية بين الجنوب المغربي وأفريقيا جنوب الصحراء: التاريخ والمعابر الثقافية، فقد كان لزاما عليه أن يزور جزيرة غوري في المحيط الأطلسي على بضع كيلومترات من العاصمة دكار؛ لأنها كانت المقر الرئيس لتجميع عبيد غرب أفريقيا وتهجيرهم خارج القارة الأفريقية نحو أوربا وآسيا والعالم الجديد؛ وهو ما يجعلها قبلة لكافة زوار دكار، بمن فيهم القادة السياسيون التاريخيون، مثل نيلسون مانديلا وبراك أوباما وبيل كليتنون وفرانسوا ميتران وغيرهم، ناهيك عن مشاهير من عالم الفن والرياضة والفكر والثقافة”.

ويرى المصدر ذاته أن “زيارة هذه الجزيرة التاريخية شكلت قيمة مضافة لعمل الفريق، إذ تمكن من الاطلاع على محتويات المتحفين الموجودين بداخلها، واللذين يضمان معلومات هامة جدا لها صلة بالمعابر الثقافية بين المغرب وأفريقيا جنوب الصحراء، من خلال عدد الصور الموجودة بداخلهما، والتي تمثل شيوخ الطرق الصوفية المشهورة هناك، والتي لها صلة ببلادنا، مثل الطريقة التجانية والطريقة القادرية والطريقة الصديقية والطريقة المعينية وغيرها؛ علاوة على خرائط تجسد معابر تهجير العبيد، وبيانات رقمية حول أعدادهم ونوعيتهم من حيث السن والجنس، إضافة إلى صور خاصة بكيفية حشرهم في السفن والقوارب الأجنبية التي تغذي أسواق النخاسة في العالم بإنسان أفريقيا السوداء”.

وتهدف السفرية العلمية إلى “جمع أكبر عدد من الوثائق التي لها صلة بالجهات الجنوبية للمملكة، خاصة الوثائق التي توجد خارج التراب الوطني، إذ إن الأساتذة المنتمين إلى المختبر استطاعوا أن يجمعوا ما يزيد عن مائة وأربعين ألف وثيقة حول الأقاليم الجنوبية، ويتطلعون إلى تحويلها إلى معطيات رقمية بإمكانها أن تسهل على الباحثين ومختلف الهيئات والجهات المعنية بمجال سوس والصحراء توظيفها واستخدامها بطرق سهلة في مختلف الأبحاث والدراسات”. كما يطمح أعضاء المختبر إلى أن “يسهموا في تعزيز الدبلوماسية الموازية للمغرب، من خلال مبادرات علمية جادة تخدم القضية الوطنية، وتجعل تجارب هؤلاء الأساتذة وخبراتهم رهن إشارة الصالح العام”، وفق الأستاذ الجامعي ذاته.

وحول تركيبة فريق البحث، فإنه يتكون من “الدكتور عبد الله استيتو، الدكتور عطوف الكبير، الدكتور امحمد احدى، الدكتور عبد السلام التايب، الدكتور شفيق أرفاك، والدكتور محمد بوزنكاظ”.

شارك المقال

عن أكادير أنفو

أكادير أنفو

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*