مغارات التامري وإمسوان … مآوي الصيادين تتحول إلى وجهة للكثيرين كل حسب هواه ( + صور )

unnamed

 استطاع مواطنون بأكادير ونواحيها، أن يضمنوا لهم موطىء قدم بشواطىء التامري وإمسوان، ليس بقصد الإستجمام والإحتماء من أشعة شمس فصل الصيف الحارقة، أو لممارسة بعض الهوايات المرتبطة باليمّ، بل عبر بناء وتجهيز مغارات، تُطل واجهاتها على المحيط الأطلسي، يقصدونها خلال فترات متقطعة، لاستغلال هدوء المكان، وطبيعته الأخاذة، أو لأشياء أخرى، يكشفها الربورطاج التالي، الذي حاولنا خلاله نفض الغبار عن ظاهرة تشييد مساكن “فاخرة” في قلب البحر، أضحت منتشرة بشكل لافت في عدد من شواطي منطقة سوس، وأبطالها ملاكون من طينة أخرى.

إحصاءات 

أحصت وزارة التجهيز والنقل 6000 حالة احتلال غير قانونية للملك العمومي البحري حالة ما بين المباني المختلفة، ومآوي الصيادين في المغرب، منها 626 حالة بمنطقة التامري وفق إحصاء 25 ماي 2013

قبل الوصول إلى هذه العملية، أطلقت الوزارة سنة 2012 عملية لإحصاء حالات الاحتلال غير القانونية، من شقق فندقية (شاليهات)، فيلات وحتى التجارة.. تم الوصول إلى خلاصات سنة 2014، خلال سنة 2015 صرح عزيز الرباح بالإقدام على الإعلان على لوائح المستغلين، بعدما تم نشر المستفيدين من مأذونيات النقل، لكن جرى التخلي عن الفكرة.

20161223_163641

بداية الرحلة

تطلب الوصول إلى مغارات التامري وإمسوان يوما كاملا مليئا بالصعوبات، قادني خلالها دليلي، من خارج منطقة تغازوت إلى اخر مغارة بإقليم أكادير إداوتنان. في مركز جماعة تغازوت وجدت في إستقبالي أحمد من السكان المحليين، كنت قد نسقت معه عبر أحد الأساتذة العاملين بالمنطقة، لتنطلق المغامرة 

” كان في إستقبالي بأحد المقاهي بمركز تغازوت السياحية، شاب يبدو وجهه بدون تعابير، وربما كاريزما وجهة التي أتاحت له أن يكون مصدر ثقة لدى مجموعة من ملاكي ومستغلي المغارات، التي تحول بعضها إلى قصور وفيلات، شخص مثل ” أحمد ” توسمت فيه أن يكون أفضل مرافق لي خلال الرحلة.

قرابة ربع ساعة من الزمن إستغرقتها رحلتنا انطلاقا من تغازوت، عبر السيارة لاكتشاف أول مغارة، تجاذبنا خلالها أطراف الحديث حول ظروف بنائها و أصحابها وعلاقة الساكنة بها.

بنايات في قلب الصخر والموج 

حتى أننا لم نجد ولا مكان لوضع السيارة، لنوقفها على جانب الطريق الوطنية رقم 1، وعلى مرمى العين تبرز لنا أمواج البحر بدون أي دليل على وجود أي نشاط سكاني، باستثناء بعض السيارات التي توحي لنا بصلتها ببعض هواة الصيد بالقصبة، تبعت أحمد عبر إحدى الطرق الصغيرة أو ما يطلق ” تارجليت ” في اتجاه البحر وها قد وصلنا وليبدأ اندهاشي،يبدو اننا لسنا فقط الحاضرين هنا، ولكن المفاجأة أن المكان كان يعج بقاطنين من نوع خاص.


صيد واستجمام وجنس، هي معالم الحياة في هذه المغارات، التي اتخذت التلال الصخرية سندا لها وبنيت وجدد أغلبها في جنح الظلام، بعضها بدائي أضفى عليها ملاكوها بعض التحسينات وتحصينها بأبواب تبعد عنها ولوج الفضوليين، وأخرى تمكن ملاكوها من إعادة بنائها وجعلها فيلات عبارة عن تحف فنية وجمالية يندمج مع الصخور الشاطئية في مواجهة مياه الأطلسي

على مدى ساعات و هي مدة قطع المسافة بين مجموعة من المغارات أو الإقامات الشاطئية المغارية، ظل ” أحمد “يستعرض أسماء بعض ملاكيها و يستشهد بحوادث طريفة أو سخرات قام بها لصالحهم، و هو يردد عبارات من قبيل : “هنا مكاين غير النشاط …” و أيضا : ” هذو راه دارو دولة أخرى هنا ومكاين لي جايب ليهوم لخبار …” كان واضحا أن ” أحمد ” لم تعجبه أحوال بعض مستغلي المغارات وملاكيها 

عند باب إحداها، تذكرت الإحصائيات التي أوردها مصدر غير رسمي خاص بالموقع، والذي حدد عددها في 625 إقامة، وفق أخر إحصاء أجري سنة 2013، اتخذت مغارة مواجهة للبحر لتشييد إقامة خاصة، كانت أصوات الموج ترتفع حدتها في كل مرة، ليفتح أحمد باب إحدى المغارات أو بالأحرى الإقامات السياحية، والتي يتوفر على مفتاحها بغرض النظافة وتدبير أمورها، لأكتشف أنها تتوفر على كل شيء من كهرباء مصدرها ألواح شمسية وضعت فوق أسطح معضم المغارات، ومياه صالحة للشرب مصدرها خزانات خاصة، تملؤها شاحنات خاصة تمر حسب الحاجة.

ينتقل من هنا إلى هناك، يشرح لي لماذا اختاروا هذه المغارات، ليقضوا بها فترات هروب من حياة المدينة و يكشف لي كواليس بعض السهرات الخاصة، التي كان شاهدا على بعضها، و رأي ساكنة الدواوير المجاورة والسلطات بها 

unnamed-4

صيد واستجمام وجنس

تشير الساعة إلى الساعة السادسة مساء من يومه السبت 24 دجنبر الجاري، السكون يعم المكان ولو بطغيان صوت تلاطم أمواج البحر على الصخور، التي اتخذتها المغارة كقاعدة لها، في لحظة من الإستمتاع والإستجمام الصافي بمنظر الغروب من غرفة النوم الكبيرة على الشاطئ، تسقط قطرات باردة من الماء ببطء فوق الجزء الخارجي من زجاج الغرفة.

ومع إطلالة مثالية على المحيط الأطلسي، وتوفر صالون تقليدي كبير و مميز، ومجاور لغرفتي النوم التي تحتويهما الإقامة، اكتشفت مرجعية اختيار مجموعة من أعيان المدينة ومسؤوليها وأغنيائها هذا الفضاء للإسترخاء داخل ملاذ متجدد الهواء، إما بصفة فردية أو جماعية، عبر ممارسة رياضة صيد السمك، واتخاذها كمكان محتمل يجمعهم بعشيقاتهم في لحظات سمر بعيدا عن أعين المتطفلين والفضوليين وربما زوجاتهم.

15726314_10207570443124850_1534787922942214673_n

وسط تفكيري العميق، لم يتوقف ” أحمد ” عن النظر إلي، وكأنه يترقب ترخيصا مني بإشارة من عينيه الغائرتين للحديث إلي وحكي بعض أسرار هذه المغارات، ” نعم مستنيت ” قلتها بالسوسية لأتمكن من سماع بعض ما راه، ولو أنه ما اقتنع بسرد بعض منها إلا بعض محادثات طويلة عبر الهاتف ليقتنع أخيرا بمدي ببعض تفاصيل سبر أغوار هذا الموضوع، الذي لم أجد عنه أي معطى من خلال بحثي في محرك البحث الشهير ” غوغل “.

تحدث أحمد عن صاحب المغارة، والذي يعتبر من كبار رجال الأعمال والسياسة، بالمنطقة، والذي اتخذها ضمن اماكن أخرى للتنفيس عن نزواته، فهو دائم الحضور بصفة أسبوعية لها، ويكون مرفوقا فقط بإحداهن، ويستبق الحضور باتصال هاتفي ب ” أحمد” الذي يتكلف بنظافة المغارة واستقباله رفقة ضيفته المتجددة، لينتقل لإعداد لوازم السهرة من قنينات الشيشة والخمر بعد أن يكون صاحب المغارة قد أحضرها معه، رفقة بعض أصناف المأكولات الجاهزة، التي يتكلف فقط بتوضيبها ببعض الأطباق، ” غير كيتعشاو ويتشيشوا كنخرج أنا علا برا وكنبقا عاس وراد البال وهوما فالداخل بلا منعاود ليك شنو كيديروا ” يقول أحمد.

نشاط مُدِرّ ومراقبة عن بعد

هنا ساكنة الدواوير المجاورة لا يفرقون بين البرلماني و السياسي و الصحافي ورجل الأعمال، و في نظرهم و كل من يزور هذه المغارات فهو زبون ” كليان “، سينعش جيوب العديد من المتعاملين معهم من الشباب والكبار على حد سواء من قاطني الدواوير المجاورة، و لا يهمهم بمن يرتفقون ولا مع من يحضرون، لأن بعدها عن مساكنهم ضامن لتأثير ممارساتهم على حياتهم اليومية وعلى نسائهم وبناتهم.

أما بالنسبة للجماعات التي تقع هذه المغارات ضمن نفوذها، فهي بالنسبة لمسؤوليها خارجة عن نفوذهم ومستغلوها منسيون، وتعتبرها تابعة للملك العمومي البحري، ولو أن هناك جردا ب “احتلال” هذا الملك سواء بطريقة قانونية من خلال الرخص أو بشكل غير قانوني، من خلال إحصاء أعتمد سنة 2013، وذلك في غياب لمعطيات جديدة وراء هذا التاريخ، لتكون خريطة هذا الملك البحري غير واضحة، وطرحت إشكالية عدم حصره و “غفلة” بعض المؤسسات دفع بالكثيرين إلى الترامي عليه، وعدم أداء أية رسوم أو واجبات ضريبية.

على عكس الحادث العرضي الذي وقع العام الماضي، وكانت إحدى مغارات وادي إيصوح بإقليم تزنيت مسرحا له، فمغارات المنطقة لم تسجل أية حادثة أو لمم تتسرب عنها إلى الصحافة أية حادثة، وفي تفاصيل الحادثة التي سلطت الضوء على الإقامات و الأكواخ بالمغارات الشاطئية، أن خمس شخصيات لها صيتها على مستوى جهة سوس اجتمعت في مغارة وادي إيصوح بإقليم تزنيت، تحتسي الخمر ما جعل المكان يتحول إلى فضاء دافئ زاد من حرارته أربع فتايات من بنات الداوير المجاورة يؤثثن المشهد، كان كل شيء يسير على ما يرام، إلى أن تفاجأ الحاضرون، بقدوم رجال الدرك إلى المغارة حيث يتواجدون.

إذا كان من واجب قوات الدرك التي تقع المنطقة ضمن نفوذها، فطينة الملاك والمستغلين وعددها الكبير يحد من عمليات المراقبة الدورية لهذه المغارات، فيما تظل عيون السلطات المحلية تراقب من بعيد، وفي ظل حرص أصحاب المغارات على إخفاء رفيقاتهن بوسائل شتى واستغلال جنح الظلام ف” العام زين ” ولا أحد يتوصل إلى ما يقع داخلها وتبقى الممارسة بدون تدخل.

الجانب القانوني و الاستغلال 


يتمتع كل شخص مبدئيا بحرية السير على الملك العمومي البحري والسباحة فيه والتوقف فوقه مع احترام مقتضيات الشرطة الإدارية، فبالإضافة إلى التخصيص الأساسي السالف الذكر لشواطئ البحر أصبحت هذه الأخيرة تستقطب أنشطة أخرى تختلف عن تخصيصها الأصلي. فقد ظهرت في السنوات الأخيرة بعض الاستعمالات الاقتصادية للشواطئ كالصناعات والسياحة التي أصبحت ذات مكانة مهمة في تنمية الاقتصاد الوطني.


ولعل ما يدفع إلى إقامة هذه الصناعات على جانب البحر هو حاجتها إليه سواء للتزود بمائه أو لطرح نفاياتها وهو ما يهدد سلامة البيئة، وبالتالي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار إلا تحول هذه الأنشطة إلى المساس بحماية الشواطئ وسواحلها والاستعمال العادي لها من قبل العموم بصفة عامة.


وإذا ما اطلعنا على النصوص القانونية المنظمة للملك العمومي البحري، نلاحظ انه بالرغم من كونها قد نصت على كون هذا النوع من الأملاك مخصص لاستعمال العموم، فان مقتضياته غير كافية لحماية قاعدة حرية الاستعمال، ومن هذه النصوص الظهير الشريف الصادر في 2 نونبر 1926، في شأن شرطة الملك العمومي البحري حيث ينص في الفصل الأول للفقرة الثانية منه “يمنع أي شيء أو إقامة أية منشأة تعرقل السير وبصفة عامة يمنع التجاوز على حدود الملك العمومي البحري”، إلا أن هذا المنع ليس مطلق، حيث نص في نفس الفصل على أن هذا المنع يطبق في حالة عدم الترخيص السابق المسلم وفق الشروط المنصوص عليها في الظهير الشريف الصادر في 30 نونبر 1918، في شأن الاحتلال المؤقت، للملك العمومي والذي تم تمديد تطبيقه، بمقتضى القرار المشترك بتاريخ 10 ابريل 1959، ومن الشروط التي ينص عليها هذا الظهير تسليم رخص الاحتلال المؤقت للملك العمومي تحت طائلة احترام حقوق الغير.


فيما يتعلق بالتدبير اللازمة لاحترام مبدأ حرية الملك العمومي البحري فالإدارة المكلفة بإدارته لها كامل الصلاحيات في ذلك، وذلك لعدم كفاية النصوص القانونية، من خلال إدخال شرط يقضي بألا يحول الاحتلال دون ولوج شواطئ البحر والسير عليها واستعمالها بصورة عادية.


ومن التدابير التي اتخذتها وزارة الأشغال العمومية بصفتها مكلفة بإدارة الملك العمومي البحري توجيه مذكرة، تتعلق باستعمال الملك العمومي البحري لأغراض سياحية رقم 2B/UH/1165 بتاريخ 3 يوليوز 1965، والتي استعملت عبارات امتياز وصاحب امتياز، في حين أن التشريع المنظم لاستعمال الملك العمومي بصورة مشتركة واستعماله بصورة انفرادية، وعلى الخصوص الظهيرر الشريف الصادر في 30 نونبر 1918، حيث نص على أن الاحتلال المؤقت يمنح بموجب تراخيص فردية وليست بواسطة امتيازات تعاقدية، ويرجع استعمال هذه العبارات إلى الخلط في استعمال المصطلحات القانونية في الإدارة


إلا أن هذه الإجراءات تبقى محدودة التطبيق، بكونها لاتهم سوى البنايات والتجهيزات التي تقام على الملك العمومي البحري بناء على ترخيص بالاحتلال المؤقت، في الوقت الذي قد يحد من حرية استعمال الملك العمومي، أيضا التجزئات والبنايات على العقارات الخاصة المجاورة له


مما يستدعي اتخاذ التدابير اللازمة لإلزام أصحاب العقارات المجاورة للملك العمومي البحري بترك ممرات على عقاراتهم عند تجزئتها تسهل الولوج إلى هذا الملك والسير فوقه.

 كراء وبيع خارج القانون

وأنت تتصفح عالم الأنترنت لا بد لك أن تجد بعض الإعلانات الخاصة بعمليات بيع بعض المغارات أو طرحها للكراء، هي عمليات غير قانونية بلا شك، لأن الملك البحري تابع للدولة المغربية، لكن مساطر التنازل عن حق الإستغلال تفي بالغرض، رغم أن عمليات البيع تقلصت بصورة كبيرة منذ سنة 2011.

وإذا كنت من المحظوظين وتمكنت من اقتناء مغارة فرجال السلطة والقانون لك بالمرصاد، في الحيلولة دون إجراء أي تعديلات أو تحسينات عليها، فالقانون واضح، ورغم ذلك، أبرز الواقع عكس ذلك، حيث بِيعت مغارات، وأُخضِعتْ لترميمات وإصلاحات، كانت في الغالب باستغلال الظلام، بعيدا عن أعين السلطات، فيما بقيت التدابير الزجرية للتصدي للظاهرة، تطرح إشكالية تطبيق المساطر القانونية على قدم المساواة بين كافة المواطنات والمواطنين، تماما كما أكّــــد على ذلك دستور البلاد.

grottes

slidefr

خاتمة

وبالرغم من الانتقادات التي قد تطال استغلال هذه المساكن، ومدى قانونية تواجدها على الملك العام البحري، فقد أصبحت اليوم واقعا ملموساً، استثمرت فيه الملايين من الدراهم، لتبقى فرض الرقابة اللازمة على استغلالها، أمرا ضرورياً، وقبل ذلك إخضاعها للمراقبة التقنية في مجال البناء، حتى لا تتهاوى يوماً على رؤوس من بداخلها، خاصةً وأن ظروف تشييدها تشوبها الكثير من الاختلالات.

الحسين شارا

15747839_10207570444764891_3194514166954805341_n 15726314_10207570443124850_1534787922942214673_n unnamed-5 unnamed-3 unnamed-2 unnamed-1 c627be77_original

عن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*