حينما تستغل كازينوهات بمدينة أكادير كوسيلة لتبييض الأموال ..

photo171

ثلاث صالات للقمار في مساحة صغيرة والمغاربة يشكلون أزيد من 90 % من زبنائها 

تنتصب على بعد مائة متر من شاطئ أكادير، ثلاثة “كازينوهات” تتموقع بجانب الفنادق، اثنان منها يفصلهما سياج حائطي، فيما ثالثهم لا يبعد إلا بكيلومتر واحد، على بعد مائة متر من مقر ولاية جهة سوس ماسة. يختلط فيها مشاهير العالم الذين يشكلون الأقلية، مع الأغلبية المشكلة من بعض مالكي “الكباريهات” والفلاحين والبحارة والتجار ورجال الأعمال المغاربة وأطباء ومهندسين وموثقين وصيادلة ومسيري شركة وموظفين ووكلاء أسفار ومستخدمين ورجال تعليم، وحتى سائقي طاكسيات. إذا ولجت إحدى هذه الصالات، تجدهم يتبخترون وينتقلون فوق السجاد الأحمر الذي يمتد من مداخلها لينبسط بين آلات “الروليت” و”البلاك جاك” و”البوكر” و”التكساس هولد” و”فيوفر” و”كينغ كونغ” النقدية و”لعبة الحياة” و”حمى النقد”.

رغم أهدافهم الواضحة ودوافعهم المختلفة وجنسياتهم المتعددة، ما بين المحلي والوطني والأجنبي، تجدهم متوحدين بصالات القمار، متحلقين حول العشرات من الآلات الإلكترونية، يحركهم جميعا هاجس الربح والظفر بما ستجود به تلك “الماكينات” المثبتة بصالات “الكازينوهات” في أكادير، عاصمة القمار بدون منازع. لا يوجد أحد منهم بهذه الأماكن غير طامع في الربح السريع والسهل. ويلاحظ أن “الكازينوهات” التي خصصت أساسا، حسب القانون ودفاتر تحملاتها، للأجانب، إذ تمنع بنوده ولوج المغاربة إليها، يسجل بأن المغاربة يشكلون أزيد من 90 في المائة من زبناء “كازينوهات أكادير”. يتم ذلك بعلم، وأمام الجهات المسؤولة عن تطبيق بنود دفتر التحملات، خاصة مسؤولي وزارة الداخلية والمالية والأمن الوطني والبلدية وإدارة الضرائب وغيرهم من الذين وردت أسماؤهم بتلك الدفاتر.

ثلاثة ” كازينوهات ” في الكيلومتر الواحد

تحولت أكادير، حاضرة سوس العالمة، إلى عاصمة للقمار والممنوعات بدون منازع، إذ توجد بها ثلاثة “كازينوهات” داخل مساحة لا تتجاوز الكيلومتر الواحد، وفشلت عدة محاولات للحصول على رخصة تسيير صالة قمار رابعة بأكادير تمت من قبل مستثمرين وطنيين وأجانب، بعد أن قوبلت طلباتهم بالرفض من الجهات المختصة، على الأقل في عهد حكومة بنكيران، الذي أكد أنه لن يسمح بفتح أي كازينو في عهده. ويرتقب أن يفتتح بها كازينو رابع إذا ما توارت حكومة “الإسلاميين”. يأتي هذا بعد أن تم إقفال جميع صالات القمار بكل من تركيا بقرار حكومي، وروسيا بقرار رئاسي، نظرا للتبعات السلبية المادية والاجتماعية التي لحقت مواطنيها واقتصاديهما. وهناك دول سياحية منعت منعا باتا مواطنيها من ولوج صالات القمار الموجودة داخل ترابها كإيطاليا واليونان ومصر، مما يدفع بمواطني هذه الدول، ومدمني القمار بها، إلى السفر إلى لتوانيا وسلوفينيا ومقدونيا وقبرص والمغرب.
وإذا كانت مراكش، الوجهة السياحية الأولى بالمغرب، قد أنشئ بها أول “كازينو” في 1952، فإن أكادير حطمت رقما قياسيا في عددها، إذ يعود تاريخ بداية “الكازينوهات” بأكادير إلى التسعينات، من قبل مجموعة فرنسية معروفة على الصعيد العالمي. ودخلت صالات القمار بأكادير عالم المنافسة الشديدة، بعد إحداث صالة قمار ثانية في 1998 من قبل شركة مساهمة، موزعة بين مستثمر كولومبي ومستثمر إسباني وشريكهما المغربي، المتحدر من تزنيت. أما “كازينو” أكادير، وهو ثالث صالات القمار بالمدينة، فتم افتتاحه في 2004 داخل فندق مصنف من فئة 5 نجوم، ويسيره مستثمر إسرائيلي، والده هو صاحب ملكية تسيير صالة القمار الوحيدة بطنجة.

رحلات سياحية عالمية… “الطريق 66”

صارت أكادير قبلة لكبار المقامرين ومركز استقطاب عالمي للقمار، لاحتضانها ثلاثة “كازينوهات”، تستهوي السياح الأجانب بعد أن وصلت شهرة تلك “الكازينوهات”، عبر إشهار الشبكة العنكبوتية، إلى أوربا وأمريكا وآسيا، وتعرض شركات السياحة العالمية رحلات منظمة للمغرب تحت عنوان “الطريق 66 بالمغرب”. العرض هو عبارة عن رحلة سياحية للقمار بكازينوهات المغرب. واستمد خبراء الترويج لسياحة القمار بالمغرب الرقم 66 من شعار الإشهار”6 كازينوهات و6 مدن” وأسبوع من الترفيه والمرح في جولة مغلقة، يمكن بدؤها أو الانتهاء منها، إما في الدار البيضاء أو مراكش أو أكادير. ويختار المروج للرحلة وجهات البيضاء والجديدة والصويرة وأكادير ومراكش، للذين يحبون الجمع بين السفر والاسترخاء والمتعة والقمار، وخص برحلة “الطريق 66 بالمغرب” عشاق القمار بالكازينوهات ولاعبيه، منبها إلى أنها ممنوعة على الأشخاص الأقل من 20 سنة.

ملاحقات الشرطة

يعتبر “كازينو” أكادير، الأكبر من نوعه من حيث عدد العمال ورقم المعاملات بعد حصوله بشكل خاص، ومن جهات مختصة في التشريع الاقتصادي والجبائي والأمني، على الضوء الأخضر لفتح أبوابه يوميا (23/24)،على مدار السنة وبدون انقطاع.
ويشرف أزيد من 180 مستخدما على خدمات زبنائه، نصفهم أجانب، يتحدرون من 18 جنسية مختلفة كرومانيا وأكرانيا وروسيا، وجورجيا ومقدونيا وجزر موريس وتركيا وبولونيا والفلبين والبيرو وبلغاريا وانجلترا ولبنان وهنغاريا ومولدوفيا وروسيا البيضاء وكرواتيا، إضافة إلى تونس ومصر.
وتفيد مصادر”الصباح” أن جميع هؤلاء العمال الأجانب، لديهم عقد عمل محدد لمدة سنة واحدة، قابلة للتجديد في حال التراضي بينهم وبين المشغل. وعرف جل هؤلاء العمال الأجانب في السنتين الأخيرتين عدة مشاكل ترتبط بتجديد عقود عملهم، خاصة الترخيص لهم من قبل وزارة التشغيل.
وتفيد مصادر”الصباح” أن العديد من هؤلاء المستخدمين الأجانب أجبروا على تأدية غرامات مالية، إثر ملاحقتهم من لدن الشرطة وإحالتهم على أنظار وكيل الملك، بسبب تأخير الترخيص الوزاري أو تأخير تحديد بطائق الإقامة المخصصة للأجانب أو  طلبها بالنسبة إلى الملتحقين الجدد.

المراقبة عن بعد لا تمنع تبييض الأموال

تعتبر “كازينوهات” أكادير مثل باقي “الكازينوهات” الأخرى بالمغرب، من المساهمين الأساسيين في التهرب الضريبي وتحصيل الأموال وتبييضها، وخراب البيوت، يتفرد أحدها (“كازينو” أكادير)، دون غيره من صالات القمار بالمغرب، بفتح أبوابه طيلة اليوم. ففي الوقت الذي قامت فيه دول  سباقة في المجال السياسي والاقتصادي والحقوقي بتركيب نظام بنكي مراقباتي بجميع صالات القمار ولوجه منحصر بين المالك ووزارة العدل ووزارة المالية  ووزارة الداخلية، وفرضت بموجبه نظام ضريبة على الدخل لمدمني الربح السريع، عمد مالك “كازينو” أكادير منتصف 2012 بخطة استباقية مشهود لها بالكثير من الذكاء والفطنة، إذ استقدم تقنيا روماني الجنسية متخصصا، لتركيب نظام بنكي مراقباتي (Internal Bank system) داخل صالة القمار، يمكنه من مراقبة كل ما يجري بالطاولات و”الماكينات”، ومن أي مكان في العالم. وكلفه هذا النظام ما يناهز 12 مليون درهم، إذ يزود مستعمله بالتفاصيل الدقيقة الخاصة بالزبون الرابح والزبون الخاسر، لأن كل زبناء “الكازينو” لهم رقم تسلسلي داخلي لا يعرفه إلا العمال. ويطلع على الطاولة أو “الماكينة” الرابحة والطاولة أو “الماكينة” الخاسرة ورقم المعاملات اليومي وكذا صافي الأرباح ومجموع الخسائر.

ويتم بموجب هذا النظام البنكي المراقباتي، التزام أي مدمن على القمار بصالات “الكازينوهات”، يجب حصوله على  نقوده أو ربحه بمنطقة واحدة ووحيدة، وهي منضدة الصندوق (Cash Desk) حسب القانون الذي يسري بجميع صالات القمار. فعندما يلج الزبون الصالة ومعه 1000 درهم، وبعد اللعب ومحاولاته وتكهناته يحصل مثلا على 6000 درهم (فيشات فقط)، يستخلص مستخدم الصالة 20 في المائة ضريبة على القيمة المضافة، ثم 30 في المائة ضريبة على الدخل، ويستفيد المقامر من أكثر من 3800 درهم، حيث توجه هذه الضرائب المستخلصة مباشرة إلى الجهات المختصة (مصلحة الضرائب أو المجلس البلدي)، غير أن هذه العملية يتم تجاوزها للتهرب الضريبي وتحصيل الأموال أو تبييضها حسب سيناريو محبوك.

ويتمثل السيناريو في أن أي شخص قد يحمل معه مبلغ 30.000 درهم أو أكثر، ولا أحد يمكن أن يعرف مصدر هذا المبلغ، فيغير الشخص ذاته ذلك المبلغ من دراهم حقيقية إلى “فيتشات” (jetons)، علما أن هناك “فيتشة” موجودة بصندوق “الكازينو” تبلغ قيمتها  50.000 درهم. وسيحصل هذا الشخص أو الزبون على 6 “فيتشات”. وإذا افترضنا، أنه جاور طاولات اللعب لمدة ساعتين، ففي الأخير يخسر 20 في المائة من المبلغ، ليبقى له 240.000 درهم، إذ بطلب بسيط، يمكن تحويل هذا المبلغ من “الكازينو” إلى حسابه البنكي، على خلفية أن المبلغ ربحه في “الكازينو”، ليتم تبييض المبلغ الذي كان معه، ويمكن أن يكون معه 20.000.00 درهم أو أكثر، يمكن أن تخضع للسيناريو نفسه.

ويعمد مسؤول أحد الكازينوهات بأكادير إلى جلب شخص أجنبي دون أن تشوب شبهة علاقته ب”الكازينو”، ليقيم بأحد الفنادق سائحا، ثم يتردد على “الكازينو” واحدا من الزبناء، بعد أن يقوم بصرف العملة الأجنبية أمام الجميع، ثم يلعب في مجموع الطاولات، ويكون هو الخاسر، ليبدأ حديث رواد “الكازينو” عن خسارته. وبعد يومين أو ثلاثة، يتم إدخاله إلى قاعة خاصة، تتوفر بكل “الكازينوهات”، وبعد ليلة بها يعلن بأن ذلك السائح قد ربح مئات الملايين من الدراهم، يحولها إلى العملة الصعبة ويغادر المغرب ومعه تلك الأموال المهربة، باعتباره ربحها من “الكازينو” بشهادة رسمية.

محمد إبراهمي جريدة الصباح

عن الحسين شارا

الحسين شارا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*