أفران الموز” بأورير شمال أكادير .. هذه هي ظروف إنتاج الموز “البلدي”

هناك من يقول إن زراعة الموز أدخلها قائد معروف بالمنطقة يدعى القايد أوتڭزيرين قُبَيل ستينيات القرن الماضي، وقائل إن أول من أدخل شجيرة هذه الفاكهة وزرعها في حديقة منزله مهاجر في الديار الأمريكية، إسمه الحاج محمد بحثي قبل منتصف الستينيات، ومن يرجح كون مهاجرين من منطقة تامري ومشاركين في الحرب العالمية الثانية بداية الأربعينيات جلبوا معهم شتلات الموز قبل أن تظهر في أورير ومختلف المناطق شمال مدينة أكادير.

قد يختلف الذين ينبشون في التاريخ حول سنة دخول هذه زراعة هذه الفاكهة إلى المنطقة، وإن اتفق الجميع على أنه قبل سنة 1940 لم تكن هذه الفاكهة شيئا مذكورا في منطقة أورير ونواحيها، لكن الذين يزيلون قشرة هذه الفاكهة ويتناولونها يُجمعون على أن لموز أورير البلدي مذاق فريد وحلاوة لا تضاهى..

أفرانُ الموز

في ضيعات صغيرة تسمى محليا “تِيبْحِيرينْ”  تكبر شجيرات الموز البْلدي، لتعطي تلك الفاكهة المتميزة التي تكون أصغر من الموز المعروف في الأسواق وألذ.

تحتاج الشّتلة سنتين من التعهد والعناية لتنتج عنقود الموز الذي يسميه فلاحو أورير “تَالاَيْتْ”، فيتم بيعه للتجار غير ناضج بلون أخضر غير قابل للأكل، ليقوم هؤلاء بإنضاجه عن طريق “أفران الموز”، إما بطريقة “الكربون” الذي تم منعه مؤخرا من قبل السلطات، أو بطريقة الغرف الساخنة التي بدأ التجار يعتمدون فيها على مكيفات لتسخين الأفران، اعتمادا على الكهرباء أو الغاز.

قبل عرض هذه الفاكهة للبيع في الأسواق المحلية والوطنية للاستهلاك النهائي، يُخضِعُ تجار الموز في أورير عناقيد الموز لحرارة بين 70 و80 درجة داخل أفران الموز لمدة تتراوح بين 45 و60 دقيقة. ثم يتركونها بعد ذلك ليومين أم ثلاثة، وبعدها يعرضونها للبيع في المحلات.

 

وبحسب المعطيات التي وقفنا عليها لا يوجد أي موز يخرج من الضيعة مباشرة في اتجاه المستهلك بعد أن ينضج بشكل طبيعي في الضيعات دون أن يمر من هذه الأفران..

المنافسة

رغم هذه الأفران، والتي لا يعرف عنها غالبية المستهلكين شيئا، فإن الفلاحين في منطقة أورير يحرصون على إنتاج موز طبيعي اعتمادا على الأسمدة الحيوانية والأملاح المعدنية، دون استعمال مواد كميائية، والضيعات كلها غير مغطاة، بل تستفيد الأشجار من أشعة الشمس والماء. إلا أن إنتاجهم هذا يواجَهُ بمنافسة كبيرة داخل السوق المحلي من قبل الموز القادم من الضيعات العصرية المغطاة، ذلك أن “موز لاصِّير” كما يسمونه، يتميز بوزنه الأكبر من وزن “الموز البْلدي”، إذا ما قارننا ما تُنتجه شتلة واحدة، ومنه ما ينتجه هكتار واحد، مما يجعل الموز البلدي قليلا في معقله بأورير، بل نادرا أحيانا. كما أن الموز البلدي أغلى من حيث الثمن على الأقل بدرهم واحد.

إذ بحسب ما صَرّح  به أحد الفلاحين من أورير  فإن معظم التجار يعتمدون على “الموز البلدي” كطُعم فقط لجلب الزبائن فيقومون بخلط النوعين، وبيع “موز لاصّير” على أنه “الموز البلدي”، سيما للذين لا يستطيعون تمييز النوعين من خلال الحجم والشكل والمذاق والنكهة. وفي بلدة أورير نفسها، قلة قليلة من التجار من يتخصص في بيع “الموز البلدي” فقط، والزبناء الأوفياء يعرفون نقط البيع ويقصدونها دون مرشد.

لْعْربَا أُوسْكُوبْرْ (أربعاء القرفصاء)

في فترة ما كان سوق أورير الأسبوعي الذي يُعقد كل أربعاء يسمى محليا لْعْربَا أُوسْكُوبْرْ، سُخريةً من الوضعية التي يكون عليها الفلاحين الذي يعرضون منتجاتهم من خضروات طبيعية وفواكه تم إنتاجها في ضيعات أورير، إذ يُقَرفصون في انتظار شَارٍ قد لا يأتي، وقد يأتي فلا يقدم ثمنا معقولا لمنتوجات طبيعية تطلبت جهدا ووقتا كبيرين لإنضاجها وعرضها في السوق، ولو في وضعية القرفصاء..

مؤخرا بدأ طيف “أَسْكُوبْرْ” الذي لا يعني سوى الركود الاقتصادي يلوح في الأفق في سماء مزارعي أورير، في غياب أي تعاونية لتسويق الموز البْلدي وسائر المنتوجات الـ”بيو”، التي ينتجها الفلاحون بضيعاتهم،  تسويق بثمن معقول، يراعي جهودهم على طول السنة في إنتاج موز في ظروف طبيعية دون مواد كيميائية، ويراعي تكاليف الإنتاج سيما اعتمادهم على مياه السقي من الآبار التي تديرها الجمعيات بثمن لا يقل عن 40 درهم للساعة الواحدة.

العمران يزحف على الموز

تمتد المنطقة الفلاحية بأورير على 121 هكتارا، أغلبها مخصص لزراعة الموز البْلدي، مع وجود مزروعات أخرى معيشية أو ذات تسويق محلي لا يتجاوز السوق الأسبوعي للبلدة. وتنقسم المنطقة الفلاحية إلى ثلاث مناطق رئيسية، بحسب الجمعيات التي تسهر على تسييرها، ف27 هكتار تابعة لجمعية تمراخت الفلاحية، و18 هكتار تابعة لجمعية إمي مكي، في حين أن حصة الأسد؛ 76 هكتارا تابعة لجمعية اليوسفيين لمستغلي المياه الفلاحية بأورير. ويبلغُ عدد الذين يزاولون النشاط الفِلاحي بأورير بين 350 و400 فلاحا، وإن يوجد بينهم من يزاوج بين الملاحة والفلاحة لإعالة أسرته وتوفير الحاجيات اليومية للعيش.

ويُلخّص حسن أدرغال رئيس جمعية اليوسفيين لمستغلي المياه المخصصة لأغرض زراعية معيقات زراعة الموز البلدي بمنطقة أورير في مشكل التسويق.  إذ يؤكد ذات المتحدث أن”أكبر ما يؤرق الفلاحين، هو التسويق الجيد لإنتاجهم الفلاحي بثمن معقول ومربح. لأن الثمن الذي يباع به الموز في السنوات الأخيرة لم يعد مُغريا لزراعته بالنسبة للكثير من الفلاحين، سيما أن تكلفة الإنتاج مرتفعة”.

ويزيد أدرغال وهو الذي يرأس جمعية فلاحية تأسست سنة 1997 بأورير أنه “أن مشكل التسويق يرجع بالضرورة إلى عدم تنظيم الفلاحين وتكثلهم في تنظيم قوي، وأن التنظيم المستقبلي للمنتجين هو وحده الكفيل ببناء تعاونية قوية لتسويق موز أورير البلدي”.

ثم يضيف نفس المتحدث “هناك مشاكل أخرى من قبيل الخنزير البري الذي يعيث فسادا في المزروعات، إضافة إلى تخوفنا الكبير من المد العمراني ليلتهم المساحات الزراعية، خاصة وأن هناك أجانب يعرضون أثمنة مغرية لشراء بقع وبنائها للاستمتاع بالمناظر الطبيعية وسط ضيعات الموز”.

حرائق وسرقات

أما حسن كورو، الفلاح الذي يملك “تِيبْحيرِينْ” بمنطقة أورير، ويشتغل فيها بيديه لزراعة مخلتف الخضروات “البيو” إلى جانب الموز البلدي فيتحدث عن مشاكل كثيرة تؤرقه ومن بينها “غياب طرقات من الضيعات نحو مركز أورير لنقل الغلات الفلاحية من موز وغيرها”. إذ كما عاينت الجريدة أثناء إنجازها لهذا الربورتاج، لا وجود لممرات واسعة يمكن عبرها نقل الخضروات والفواكه التي تم إنتاجها من الحقول نحو الأسواق، فالممرات ضيقة جدا، وبالكاد تتسع لشخص واحد، ولا تتسع حتى للعربات اليدوية لحمل الخضر والفواكه.

ويزيد كورو قائلا “كما أن مشكل الحرائق يهدد الفلاحين كل يوم بإعادتهم إلى نقطة الصفر، فأسباب الحريق مجهولة، لكن النيران كثيرا ما التهمت أشجار الموز و باقي المزروعات بسبب عدم مسؤولية أشخاص من مُدخنين وعابري سبيل يمرون بالحقول ليلا أو يكترون برّاكات غير بعيد عن الحقول”.

هناك عوامل كثيرة تجعل النار تلتهب بسرعة كبيرة وبسرعة قياسية في ضيعات أورير، أهمها القصب الذي يشكل الحواجز بين الضيعة والأخرى، إضافة إلى مخلفات الحقول، من أوراق وجذوع ميتة، والتي تتراكم في الغالب في جنبات الضيعات، وهي التي تشكل وقودا احتياطيا لكل نيران تستعر في منطقة قريبة، مما يجعل إمكانية إطفائها أمر صعبا، وإن تم، فليس بعد أن تكون الخسائر جسيمة.

يزيد الفلاح حسن كورو من تامراخت وهو الذي نشأ في عائلة تزاوج بين الفلاحة والملاحة، متحدثا عن الأمن في المنطقة قائلا” لا ننكر أن رجال الدرك يبدلون قصارى جهدهمم على الطريق وفي المركز، لكن الأمن يغيب في الحقول والضيعات، وعدد كبير من الفلاحين يشتكون من تعرضهم للسرقة”.

ثم يستطرد “السرقة هنا لا تعني سرقة المحصول فقط، بل تمتد لتشمل التجهيرات المستعملة من محرك وغير ذلك، ومن لم يجد ما يسرقه يقوم بسرقة أوني الشاي التي يستعملها الفلاحون أثناء عملهم بالنهار في ضيعاتهم”.

العصر “الذهبي”

يبيع المزارعون الآن محصولهم للتجار بثمن يتراوح بين 3 و5 دراهم للكيلوغرام الواحد، والثمن بحسبهم لا يغطي كل تكاليف الإنتاج.  بدأ تسويق فاكهة الموز البلدي بأورير أواخر السبعينيات وبداية التمانينات، وقبل ذلك، كان الأمر مجرد شتلة هنا وهناك في الحدائق الخاصة، والذين يملكون بعض الشتائل الكثيرة إنما يستهلكون فاكهتها بشكل عائلي فقط.

بدأ بيع الفاكهة بالجملة في بداية الثمانينيات بثمن يتراوح بين 80 سنتيم ودرهم واحد للكيلوغرام. بدأ الثمن يرتفع شيئا فشيئا إلى أن بلغ ذروته سنة 1989.

يتحدث الفلاحون الذين التقيناهم في ضيعات أورير بحنين كبير عن العصر الذهبي لفاكهة الموز بالمنطقة، عندما يبيعُون محصولهم لتجار الجملة في مداخل الضيعات بـثمن يتراوح بين 15 درهم و18 درهم للكيلوغرام الواحد!

“كان ذلك نهاية التمانينات وبداية التسعينات، كنا نبيع غلتنا من الموز معززين مكرمين بما يزيد عن 15 درهم”، يقول حسن أدرغال . ثم يزيد موضحا “جمع بعض الفلاحين مبالغ مالية ما كانوا يحلمون بها نهائيا،  كان المقابل المالي الذي يحصل عليه المزارعون يشجع فلاحين آخرين على دخول مغامرة هذه الفاكهة التي تحتاج سنتين لتعطي الغلة، فانتشرت ضيعات الموز، ليس في أورير فقط، بل على طول جنبات “وادي الموز”، في اتجاه تامزرڭوت”.

تسلل مياه البحر نحو الموز

لم يعد الماء القادم من الوادي يكفي للسقي، بل لا يصل أورير إلا في فترات الأمطار، فالذين يملكون ضيعات في الدواوير القريبة من المنبع في أسيف ن وانكريم خلقوا حواجز لسقي مزروعاتهم أولا؛ وهكذا دواليك، حتى ينقطع مجرى الوادي دون أن يصل ضيعات أورير.

ارتفع عدد الآبار في المنطقة، 6 آبار سنة 1997، مثلا، ليصل الآن إلى ما يزيد عن 25 بئرا، استنزف المزارعون والساكنة المياه الجوفية، بعد أن نشطت تجارة الماء الصالح للشرب، إذ غدى أورير بآباره “سوقا” لبيع الماء في الصهاريج، وهو ما أفرغ الفرشة المائية للمنطقة من مائها العذب، ليخلو المجال الجوفي لمياه البحر ليملأ الفراغ الذي خلقه الاستنزاف، وهو ما رفع ملوحة مياه أورير إلى درجات قياسية، ليتسبب ذلك في كارثة 2005/2007.

بين سنتي 2005 و2007 فقدت أورير معظم شجيرات الموز، فهذه الزراعة لا تتحمل ملوحة المياه، والفلاحون لم يكن أغلبهم يعلم مدى التأثير السلبي لملوحة الماء على الشجيرات والفسائل، 70 )  في المئة من الملوحة بحسب تقارير جمعوية) وهو ما نتج فقدان الفلاحين لأغلب الشجيرات، وقل الإنتاج في تلك الفترة إلى مستويات قياسية، بل إن كثيرا من الفلاحين استبدلوا زراعة الموز بمنتوجات أخرى.

وبحسب مهتمين من المنطقة فإنه لم يتم تعويض الفرشة المائية بشكل نسبي إلا في حدود 2010، إذ عرفت المنطقة تساقطات مطرية مهمة، وإن أدت إلى خسائر كبيرة في الضيعات والآليات، ذلك أن أيام 16 و17 و18 فبراير من سنة 2010، جرفت مياه وادي تماراخت ما يزيد عن 5 هكتارات من حقول الموز، إلا أن الوادي استمر جريانه لما يزيد عن شهرين، وهو ما شكل تعويضا كبيرا للفرشة المائية التي تضررت كثيرا في السنوات التي خلت، واختفت ملوحة المياه الجوفية وإن تبقت بعض الملوحة في التربة.

زراعة واعدة

يحلم المزارعون في أورير باهتمام جهوي وحكومي لتطوير إنتاجاتهم الطبيعية، خاصة وأن التنمية في أكادير تتجه جنوبا، وكثيرا ما يتم تجاهل شمال أكادير الواعد. فمشاريع من قبيل السقي بالتنقيط، قادرة على تخفيض استهلاك الماء بما يزيد عن النصف، سيما وأن السقي في هذه الضيعات يتم بالطرق التقليدية كالغمر. كما أن بناء سور وقائي على طول وادي تمارخت، سيجنب ضيعات أورير كارثة انجراف الحقول والضيعات كالتي حدثت في فبراير 2010.

دون أن نغفل أن إنشاءَ سوق “بيو” للمنتوجات الطبيعية في أورير، يمكن أن يعطي لموز أورير البلدي، وكافة منتجاتها التي تنبت في ظروف طبيعية قيمة مهمة، سيما وأن هناك عدد كبير من السياح، ومغاربة من الطبقة المتوسطة، يرغبون في شراء هذه المنتجات الطبيعية “الخالية”  من المواد الكيميائية، من فلاحين ومزارعين بسطاء، يخصصون كل يومهم لضيعاتهم، لكن الثمن ضعيف، والمردودية قليلة، وطيف “أسْكُوبر” لا يريد أن يبرح الأسواق على الأقل في الفترة الحالية.

ميمون أوملعيد

عن أكادير أنفو

أكادير أنفو

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*